محمد بن المنور الميهني
45
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
عليه رقعة حتى صار وزنه في النهاية عشرين منا . ولم يخاصم أحدا قط ، ولم يتحدث إلى أحد إلا في وقت الضرورة ، ولم يتناول في هذه الفترة ( ص 29 ) طعاما قط في النهار ، وكان يفطر على كسرة من الخبز ، ويستيقظ الليل . وأحدث في جدار صومعته فتحة بمقدار طوله وعرضه وصنع لها بابا ، كان حين يذهب إليها يغلق بابها وباب المنزل والصومعة جميعا ويشتغل بالذكر ، بعد أن يسد أذنيه بالقطن حتى لا يسمع صوتا يشغل خاطره . وكان يرعى سره دائما حتى لا يطوف بقلبه شئ سوى ذكر الحق سبحانه وتعالى ، وأعرض عن الخلق تماما . ولما مضت مدة على هذا لم تعد له طاقة على صحبة الخلق ، وصارت رؤية الخلق مشقة طريقه ، وكان يذهب دائما إلى الصحارى ويتجول في الجبال والفيافي ، ويأكل من نباتات الصحراء . وكان يختفى في الصحراء لشهر أو أقل بحيث كان والده يبحث عنه ليلا نهار فلا يجده حتى إذا ما رآه أحد من أهل ميهنه في برية أو مزرعة ، أو رأته قافلة في مكان من الصحراء أخيروا والده فيذهب ويعيده . وكان الشيخ يعود إرضاء لوالده ، وبعد أن يقيم عدة أيام كان لا يطيق مشقة الخلق فيفر ويعود إلى الجبال والصحارى . وكثيرا ما كان أهل ميهنه يرونه مع شيخ مهيب يرتدى ثوبا أبيض وعندما بلغت حاله تلك الدرجة سألوه قائلين ؛ أيها الشيخ ، كنا نراك في ذلك الوقت مع شيخ مهيب ، فمن كان ذلك الشيخ ؟ قال إنه الخضر عليه السلام . وقد رأيت مكتوبا بخط الشيخ أبى القاسم الجنيد بن علي الشرمقانى جاء فيه ( ص 30 ) : كنت أسير مع الشيخ أبي سعيد قدس اللّه روحه العزيز في طريق ميهنه فقال لي بجوار جبل : يا أبا القاسم ، هذا هو الجبل الذي رفع منه اللّه عز وجل إدريس إلى السماء إذ يقول : « وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا » وأشار إلى جبل يعرف بصومعة إدريس عليه السلام على بعد فرسخين من « حرو » و « تياران »